Affichage des articles dont le libellé est الشعراء. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est الشعراء. Afficher tous les articles
| 0 commentaires ]


للحزن كل مايريد دائما
18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011بقلم عبد العزيز الشراكي



للحزن رعشةٌ
كأنها خروج روحنا من البدنْ ....
للحزن رعشةٌ
كظلمة النهاية التي
تشدُّ مَنْ نحبه ــ بقوة ــ إلى الكفنْ ....
للحزن قبضة قوية
تثير في نفوسنا
القوية الخنوع والوهنْ ....
للحزن خنجرٌ
كأنه الجليدُ في بياضه
وقلبه
وصبره على عذاب من يموت
تحته بلا ثمنْ ....
للحزن حربةٌ طويلةٌ طويلةٌ
تسيرُ خلفنا كأنها يد الزمنْ ....
للحزن من يسير وحده
من نفس المؤلف
للحزن كل مايريد دائما
كان لي أطفالٌ كثيرون
قابلٌ للكَسْــــــــر قلبي
خَرَجَتْ وَلَمْ تَرْجِعْ إلىّْ
الفراشة
مِتُّ مِنْ خَوْفي عليهِ
الحب الثاني
الصنبور
مأساة
في هذا القسم أيضاً
مأتم السكر
من البعيد
للحزن كل مايريد دائما
ع الحــــدود
من أجل أمل ٍ بعلم الغيب
صانع الإجرام ...
أصواتُنا
غدرُ القَصيد
الصبية والمرآة
كيف تعرف أن مقالك منشور في الديوان
شروط النشر في ديوان العرب
تبرعوا لديوان العرب
لاستلام نشرة ديوان العرب بانتظام
اللائحة الداخلية لديوان العرب
للمساهمة في تكريم المبدعين العرب
للاستفسار عن مسألة في علوم اللغة العربية


ومن يحب غيره
ومن ...... ومن ....
للحزن كل مايريد دائما
وليس للحزين غير حرقة الحزَنْ ....

...تابع القراءة

| 0 commentaires ]


جمعية الثقافة والفكر الحر
مركز ثقافة الطفل الفلسطيني
ملتقى الإبداع الأدبي

اللقاء السادس العاشر محاضرة حول:
التجديد في القصيدة العربية
" قصيدة النثر" ... حوار وأمثلة

إعداد وتقديم الشاعران:
أ. معين شلولة.
أ. نصر شعت.

محاضرة مقدمة يوم الخميس الموافق 1/مايو 2003م

قصيدة النثر
كثيراً ما تقامُ طقوس الجدل حول قضية" قصيدة النثر" مشروعيتها ومكانتها من الأجناس الأدبية الأخرى، وغير ذلك من أسئلة الجدل التي لا تنتهي. فثمة من يقفون خلف قوالبِ الشكلانية، ولا يتطور رأيهم ولا فهمهم لهذا الجنس الحداثي من أجناس الأدب المتطور، ويقتصر دورهم فقط على الهجوم غير الشرعي وقذف ابليس الذي تلبس الشعر فانتج "قصيدة النثر" فيما ابليس المفترض يهتف بصوت عالٍ انه من طين الشعر، وطين الشعر موروث جمالٍ في إدراك ووجدان كلً آدمي مبدع.  
إن جسامة الخطأ تكمن في التفسير الجاهز للموروث على انه مسلمةً تراثية لا يجب ولا يمكن كسرها ظنَّا أنها استوفت واستوعبت وأحاطت بكامل حيثيات الفن وجمالياته.إن مثل هذا الرأي إنما يقرر أن الموروث شيء قدسي لا يجب المس بهيئته، وإذا كان ذلك، فانه يعتبر خروجاً سافراً. لكن السؤال دائما يتكرر، هل خروج المبدع على اطار القوالب الجاهزة يعتبر كسرا أو تشويها لخِلقةِ الإبداع ومكانه، وإلا ما جدوى أن يسمى الشاعر مبدعاً، إذا كان ابداعه قيد الشرط الشكلاني القائم منذ أزل..؟
الشعر موروث إنساني حضاري إبداعي، أو لعله أسمى جمالٍ في الآدميةِ جمعاء، وإذا ما تناولنا الموروث الشعري العربي نجدنا أمام جماليات الشعر، أكثر من وجودنا أمام أشكال بناء القصيدة العربية، فالقصيدة هي اللغة والرؤية، هي الشعر الخالص، فالشعر أصبح إذن رؤيا، يقول ادونيس عن الرؤيا في الشعر" قفزة خارج المفاهيم القائمة، هي أذن تغيُّر في نظام الأشياء وفي نظام النظر إليها"(مجلة شعر، السنة الثالثة1959 عدد11) أما الشكلُ أو البناء المعماري للقصيدة فلا يعدوا كونه تطرزاً موسيقيا يفضي الى إلباس الشعر ثوب الايقاع الزاهي البرَّاق.هل ينتفي الشعر من القصيدة إذا ما جُرِّدَ من هذا الثوب..؟؟
إنَّ القصيدة العربية ذات الشكل والوزن الجدلي تجعلنا أمام تقييد غالبا ما يتمكن منا عندما تتدفق لحظاتُ الشعر، وحين أذكر التدفق في جنس الشعر  أذكر في مقابله لجم اللحظة العفوية لهذا الشعر التي سكنت مفردات لغةٍ قد لا تكون على اتفاق مع سلامة الوزن والقافية، هنا يصبح الشاعر رهين الانتقاء الموفق للكلمة أو المفردة التي تطابق غرض المعنى وعافية الوزن.أعتقد ان طبيعة المبدع لا تقبل هذا المخاض الإبداعي العسير.
أين فضاء التغيير والإبداع إذن..؟
غالباً ما يكون التقليدُ قيداً أبوياً،وهل يعقل أن يظلَّ المبدعُ قيد الأبوية..؟
اننا في زمن الخروج عن الموروث الشعري الشكلاني، وليس كل خروجٍ يعني جحوداً، فنحن أكثر الأمم محافظةً على الميراث الحضاري المعنوي، ونأخذ به ونستلهمه في خلق تشكيل ابداعي جمالي يتميز بفرادة   وممايزة خالصة، لكنها امتداداً لتراث الشعر العربي.
الخروج لا يعني جحوداً:
حين كُسرَ نظام الشعر الشكلاني عقب ثورة وعيٍ قام بها نفرٌ من شعراء العربية إيماناً منهم بالتغيير كضرورة اجتماعية انسانية تنعكس بدورها على الناحية الابداعية في أي زمان ومكان. حاجة المبدع للبحث عن آفاق  تحمل سمات الجدة ومواكبة التطور ومحاكاة التغيير الاجتماعي والانساني باشكاله المتعددة هي حاجة مشروعة ولا يختلف على شرعيتهااثنان، ومن هنا كان لا بد من التفكير على مستوي المشهد الشعري بخطوات تغيير شجاعة وجريئة، وقد تمثل ذلك في اربعينيات القرن المنصرم باحداث أول خروج واسع ترك أثره في تاريخ الشعر العربي بعد ان خاض ذاك النفر من الشعراء الرواد،أمثال بدر شاكر السياب نازك الملآئكة، عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد صلاح عبد الصبور، بلند الحيدري،معارك ادبية كبيرة/ هؤلاء ينظر اليهم بنظرة كلية نقرُّ فيها ان لهم  كان فضل احداث التغيير والتطوير على القصيدة العربية دون الخوض هنافي جدلية الأسبقية لمن في ريادة حركة التغيير، وفضل التطوير في القصيدة،ما نقوله هنا هو ان هؤلاء الرواد كانوا قد خاضوا معارك وسجالات مطولة كانت الشغل الشاغل للشعراء والنقاد والادباء، والخصومة التي ترتبت عن هذه السجالات قد انتهت الى خروج قصيدة عربية تحمل مضامين وشكلا متطورا عن الشكل العمودي، وكاسراًأسسَ الموروث الشعري القديم؛فكانت قصيدة" التفعيلة"  القائمة
  على وحدة التفعيلة في القصيدة، حيث تتعدد التفعيلات في الأسطر السعرية تعددا حراً غير متقيدبعدد محدد منها، بحيث تكون القصيدة على هيئة اسطر شعرية يتلاحق فيها عددُ التفعيلات،تكثر في السطر أو تقل بحسب الحالة والدفقة الشعرية لدى الشاعر.
وقد استمرت رياح التغيير في المشهد الشعري العربي بالهبوب حاملةً رؤى الحداثة سواء من أثر الاحتكاك بالثقافات أو نتاج الابداع الغربي، أو من أثر جهد عربيا خالص حمل لواء التغير انطلاقا من وعيٍ قائل باحقية ومشروعية التجديد والتحدية في الحياة. حيث الشعر حياة. فالشكل في القصيدة لا يضيف قيمةً جوهرية للفن الشعري، بل ما يعلِّي حضور الشعر قيمة وجمال الرؤيا التي تسكن القصيدة" فليس النثر هو الذي يمنح القصيدةقيمتها الفنية الجددة، وليس النظم في القصيدة هو الذي منحها قيمتها الكلاسية القديمة، انما هناك شيءٌ آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثراً أو نظماً هو الذي يخلق ما ندعوه الشعر".(غالي شكري، شعرنا الحديث الى اين،ص28،دار الآفاق الجديدة،ط2 1978.
وقد ظهر على رأس هذا التغيير جيلٌ من المبدعين المثابرين الأفذاذ،وقد عكفوا ،جلَّ أوقاتهم،على احداث ثورة تجديدية حداثية المفهوم العربي المستقل عن التبعية للمجتمعات الابداعية المختلفة،وقد أصر لمبدع العربي على ان تكون الحظوة للشعر مطلقا محررا من كافة قيود وقوالب الشكل والوزن والقافية، وكان على رأس هذه الحركة التجديدية رواد شعراء
أدنيس، يوسف الخال، انسي الحاج، توفيق صايغ،محمد الماغوط، شكل هؤلاء مجلة  شعر" التي قادت حركة النشر وعرض التجارب الحداثية للشعراء المنتمين لهذا اللون من الشعــر.
جديرٌ بالذكر ان نازك المكلائكة اطلقت في كتابها " قضايا الشعر المعاصر تسية" الشعرالحر" على قصيدة التفعيلة وقد جاء الشاعر والناقد والأديب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، و كان من الدقة بحيث أزال اللبس الذي وقعت فيه الملآئكة، حيث اطلق على الشعر المتحرر من الوزن والقافية والمتخذ شكل قصيدة الاسطر بـ" الشعر الحر" أما القصيدة التي تستند الى وحدة التفعيلة في بناءها فسميت بـ" قصيدة التفعيلة، فقد كان خطاً ان اطلقت المكلآئكة تسمة الشعر الحر على قصيدة التفعيلة، اذ ان الاخيرة  لم تتحرر في واقع الامر من قيود الوزن والقافية، بل ظلت محافظة على الموروث القديم والأساس الجوهري للقصيدة العمودية ألا وهي التفعيلة.  
وفي سياق الحديث عن حركة التجديد في القيصدة العربية، نلقي الضوء على الفرق بين " الشعر الحر" وقصيدة النثر" بحيث نتفق على ان الأخيرين لا يخضعان لا لاوزن ولا لقافية،غير ان ما يميز قصيدة الشعر الحر عن قصيدة النثر، هو ان الاولى متحررة من قوالب العروض والقافية مع احتفاظها بالشكل البنائي على بياض الصفحة، حيث تكون القصيدة عبارة عن سطور متلاحقة تشبه قصيدة التفعيلة في ذلك، اما قصيدة  النثر فهي لا تكون رهن أي قيد على الاطلاق ولا تخضع لأي التزام من ناحية الوزن والقافية من من ناحية حضورها على

...تابع القراءة

| 0 commentaires ]




 خطاب الشعر الحر في القصيدة العربية/ عبد المجيد العابد (المغرب)
 بواسطة: admin
بتاريخ : الأحد 24-04-2011 09:40 صباحا




قصيدة (في الليل) لبدر شاكر السياب




يعد الشعر الحر قطيعة إيستيمولوجية للقصيدة العربية التقليدية، وقد أملى ذلك الظروف التي عاشها الشعراء خصوصا بعد نكبة فلسطين 1948، وهزيمة يونيو1967، فكان أن أعاد الشعراء وغيرهم النظر في جميع المثل والرموز التي كان يعتقدونها، فرأى الشعراء حينها أمام هول الفاجعة وصدمة الحداثة الغربية تغيير كل النماذج المحتذاة، لأنها لم تستطع مواكبة التحولات المستجدة، فإذا كان الشعراء الفحول القدماء قد عبروا عن قضايا عصرهم بالشكل التقليدي للقصيدة العربية الذي ينسجم مع تلك الظروف، فلا بد للشاعر الحديث إذا أراد التعبير عن قضايا عصره من أن ينفلق من إسار عمود الشعر، وينطلق في رحابة شكل جديد يتيح له إمكانية التعبير، لذلك استبدل القصيدة الحرة بالقصيدة العمودية.  


ويعرف شعر التفعيلة بوصفه نظاما وزنيا جديدا كسر نظام الشطرين المتناظرين والقافية والروي والموحدين، لكنه حافظ على التفعيلة وجعلها أساسا له. يقوم الشعر الحر على ستة بنود: السطر الشعري، والجملة الشعرية، والتدوير، والتنويع في القافية والروي، واختلاف الضرب، والمزج بين تفعيلات البحور.


وقد حظي الشعر الحر بتسميات عدة أهمها: الشعر المعاصر، والشعر الحديث، والشعر الجديد، والشعر المنطلق، والشعر المرسل، وشعر الشكل الجديد، وشعر التفعيلة. ويعد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة أول من قصد الشعر على منوال شعر التفعيلة، وقد اقتفى أثرهما جم غفير من الشعراء المحدثين نذكر منهم البياتي، وصلاح عبد الصبور، ويوسف الخال، وأدونيس، ونزار قباني، ومحمود درويش، وأحمد المجاطي المعداوي، وعبد الرفيع الجواهري، وغيرهم كثير.


ومن خصائص قصيدة تكسير البنية نذكر:


التفاعل مع التراث والنظر إليه باعتباره رموزا وقيما إنسانية وجمالية؛
الانفتاح على الثقافات الأجنبية شعرا ونثرا؛
التحرر من هيكل القصيدة التقليدية العمودية وبنائها، والاحتفاظ بوحدة التفعيلة وقوة الإيقاع الداخلي؛
تكثيف الصور الشعرية المعتمدة على المجاز والانزياح؛
الاستثمار المفرط للرمز والأسطورة والمونولوج والخرافة والحكاية الشعبية؛
الاهتمام بالقضايا الراهنة ورصدها من زاوية ذاتية خالصة؛
الارتكاز على الرؤيا في تكوين نظرة شمولية تجمع الذاتي بالموضوعي؛
توظيف اللغة الإيحائية المشبعة بالدلالات العميقة التي تبتعد عن التوظيف التقريري؛
الغموض، وهو صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثة؛
الشعر الحديث تجديد للرؤيا، وهي في عمقها تختلف عن الرؤية البصرية، فإذا كانت هذه الأخيرة تتعلق بالحس المباشر للموضوعات، فإن الرؤيا تتجاوز الإدراك المباشر المعتمد على المدركات الخمس، التي تتطلب حضور الموضوع الإدراكي، فالرؤيا تشكل موقفا جديدا اتخذه الشعراء الحداثيون من العالم والأشياء، إنها عبور من الظاهر إلى الباطن، وانتقال من دلالات العبارات إلى دلالات إشاراتها، إن الرؤية قرينة البصر، بينما الرؤيا لازمة عن البصيرة والحدس والكشف والحلم؛
الشعر الحديث خطاب تجتمع فيه الثقافة العربية التقليدية بالثقافة الغربية الحديثة، ثم القرآن الكريم والأساطير والخرافات والحكايات الشعبية والملاحم (ملحمة جلجامش مثالا)، والتصوف (الحلاج، ابن عربي، السهروردي، البسطامي..)؛ 
التحـليـل


تندرج القصيدة ضمن خطاب الشعر الحر، وهو خطاب جاء نتيجة تحولات جذرية عرفها العالم العربي أدت إلى تغيرات واضحة في البنيات الشعرية وفق خطاب حداثي لا يلتفت إلى نموذج سابق، بل يقوم على الأخذ بتلابيب الحداثة رؤية ومنهجا، فنتج عن ذلك شعر مخالف لكل ما ألفناه في القصيدة العمودية، ويعد بدر شاكر السياب أول من فتح أكمام هذا النموذج الشعري الجديد، فإلى أي حد يعد نص "في الليل" مثالا واضحا لشعر تكسير البنية وتجديد الرؤيا شكلا ومضمونا؟


يتضح من خلال النظرة البصرية للنص أن القصيدة تضع قطيعة وحدا فاصلا مع الموروث الشعري التقليدي، فقد كسرت الشكل الهندسي للقصيدة العمودية باستثمار نظام السطر الشعري عوض نظام الشطرين المتناظرين، كما استبدلت تنويع القافية والري بوحدتهما، وتتفاوت الأسطر فيما بينها من حيث الطول وتوزيع البياض على السواد. يتكون العنوان من جملة بسيطة تعرب إعرابين اثنين، الأول أن خبرها محذوف تقدير كائن أو استقر بحسب المدرسة البصرية، والمبتدأ محذوف تقديره هذا أو هذه، والثاني أن شبه الجملة المكون من الجار والمجرور"في الليل" في محل رفع خبر والمبتدأ محذوف أيضا، وهذا القول الثاني مأثور عن المدرسة الكوفية في النحو. إن شبه الجملة المكون للعنوان غير تام المعنى، مما يدفع القارئ المخاطب إلى استعمال السيرورة التأويلية لاستبطان متاهاته إتماما لمعانيه، حيث يتم الربط بين الليل وما يحفل به من معان وسمات مميزة (الحزن، الخلوة، الكآبة، السهر، السهاد، البعد، النأي، الهدوء، السكينة، الاطمئنان، الموت، الخنوع، الخوف...). فما علاقة العنوان بقصد الشاعر؟ وماذا يريد السياب تحقيقه من خلال الغموض؟ وإلى أي حد يعتبر هذا العنوان عتبة لمعرفة غياهب النص؟


لقد ثبت أن القصيدة حديثة من جهة معمارها أو شكلها الهندسي، فمن خلال عتبات النص يمكن أن نفترض أن الشاعر بصدد الحديث عن رؤيته المخصوصة حول الزمان والمكان والمصير. فما محددات هذه الرؤية من خلال مضامين النص؟ وكيف تبلوت في القصيدة مناط التحليل؟


افتتح الشاعر بدر شاكر السياب قصيدته بتأثيث فضاء الغرفة الموصدة واصفا إياها ومضفيا عليها مسحة كئيبة، ثم نظر إلى ثيابه نظرة متسائل عن ردهات الزمن، يناجيها ويتحدث إليها افتراضا، لينتقل إلى حوار في خلده مع أمه، التي تحضر في جل قصائده،  مبرزا نظرته الشمولية المختلفة نحو المكان والزمان والموت، ليصل في الأخير إلى تأكيد لقائه أمه في اللحد، وفي ذلك إشارة إلى دنو أجله، فالسياب كان دائما يرى خلاصه في موته، نتيجة مرضه الذي كان لا يرجى شفاؤه، ويمكن أن نستجمع هذه المضامين في رؤية الشاعر الشاملة نحو الزمان والمكان والموت انطلاقا من معاناته، وهي رؤية رومانسية تطفح بها أغلب قصائده.


 توسل الشاعر في إبراز هذه المضامين الوجدانية المتشائمة بمعجم يمتح مفرداته من عناصر الطبيعة محاولا وضع المتلقي أمام نفسيته المنهارة الدائبة، وهو معجم وسيط يجمع بين السلاسة والجزالة، تتخلله بعض الكلمات التي تمتح من اللغة الموروثة، ويقوم على خرق المألوف  في تركيب كلماته مثل: (عزريل الحائك، من صدر الأرض)، يخرق أفق انتظار القارئ ويدفعه نحو متاهات التأويل. تتوزع هذا المعجم ثلاثة حقول دلالية: الأول متعلق بالألفاظ الدالة على المكان نمثل لها بـ:(الغرفة، ستائر، بستان، المقبرة، الأرض، لحد، النهر...)، أما الثاني فيتعلق بالألفاظ الدالة على الزمان نمثل لها بـ: (الليل، سريت، الزمن، يومـ، الحشر، أسير، ستلقاني...)، بينما الحقل الثالث فيرتبط بالألفاظ الدالة على الموت نمثل لها بـ: (الموت، سريت، الثكلى، أمي، كفني، عزريك، نم، لحدي...)؛ تجمع بين هذه الحقول علاقة قرابة تؤلفها النظرة الشمولية للشاعر نحو الكون والعالم، فالسياب يعيش غربة في المكان وغربة في الزمان وغربة في المصير، إن الغربة إذا هي النواة الجامعة لهذه الحقول. يجمع السياب بين الاغتراب وقضية الموت والمصير في هذه القصيدة عينها، وهي نفسها الرؤيا التي تغلب على معظم قصائده خصوصا اللندنية منها.


هذا من الناحية المعجمية، أما من الناحية التركيبية فقد تعددت الضمائر في القصيدة بين ضمير الغائب، يرصد في الغالب الوصف(يتنصت لي، يترصد بي، أعطاها الباب المرصود نفسا...)، وضميري المتكلم والمخاطب في الحوار(ليزورك، لبست ثيابي، سريت، ستقول لي..)، ليجعل من القصيدة صورة متكاملة تحكي قصة مفترضة صنعها خلد السياب المتأثر بالمرض، أما الجملة فقد زاوج فيها الشاعر بين استعمال الجملتين الاسمية والفعلية، فالفعلية دالة بذاتها على الاستمرار والتجدد، أما الاسمية فدالة على الثبات والاستقرار، يرصد الشاعر من خلال الأولى حال الغرفة ومعاناته بها (الغرفة موصدة الباب، الصمت عميق..)، وهي قرينة الوجدان، بينما الثانية فتدل على التحول (ليزورك في الليل الكابي، لبست ثيابي، سريت، ستلقاني أمي، لم يبل على مر الزمن، أعددت فراشا...)، وهي المهيمنة في النص، لأن الشاعر بصدد التحول نحو المصير المحتوم: الموت.


أما من الناحية البلاغية فقد ركنت الصورة الشعرية إلى الانزياح وخلق علاقات جديدة بين الكلمات تخرق المألوف في سبكها، وقد نهلت من الرمز والإيحاء بوصفهما قناعا وتدليلا يقوم على التجوز في الدلالات المباشرة للعلامات اللغوية، لكن رغم ذلك جعلت من مباحث البلاغة العربية القديمة سندا لها ومرجعا اعتمادا على التشبيه مثل (وأثوابي كمفزع بستان) على سبيل تشبيه محسوس بمحسوس، وكذلك الاستعارة كما في قوله (أعطاها الباب المرصود نفسا) على سبيل الاستعارة المكنية حيث حذف المشبه به(الروح) وأبقي على أحد لوازمه (النفس)، تدل على نزعة السياب التصوفية، وكذلك الشأن في (من صدر الأرض) كاستعارة مكنية أيضا، وكلها صور تقوم بوظيفة تعبيرية إبلاغية في النص، كما يمكن جعل القصيدة كلها صورة مشهدية شاملة كلية. أما من حيث الأساليب فقد زاوج الشاعر بين استعمال الأسلوبين الخبري والإنشائي، فالأول ما احتمل الصدق أو الكذب، والثاني ما لم يحتملهما معا، فالسياب يستعمل الأول للإخبار عن معاناته وتصوير واقعه المزري، والغربة التي يعيشها في المكان والزمان والموت (الغرفة موصدة الباب، ستائر شباكي مرخاة..)، وهي كلها أخبار ابتدائية خالية من التوكيد لأن الشاعر يعتقد بخلو ذهن المخاطب ليزوده بمعلومات جديدة، أما الأساليب الإنشائية فترتبط بانفعالات الشاعر، غلب عليها الإنشاء الطلبي المتمثل في الاستفهام (من دون رفيق؟ خروب المقبرة الصادي؟ ألا ترمي أثوابك؟) وهي استفهامات لا تفيد بحسب مقتضى الظاهر، بل خرجت عنه لتفيد معنى مستلزما حواريا بحسب مقتضى الحال تفيد الالتماس واليأس.


نظم الشاعر، من حيث الإيقاع الخارجي، قصيدته على تفعيلة (فاعلن) من وزن بحر المتدارك، وهو من الأوزان الخليلية الصافية، لكن لم يحترم قواعد الخليل في استعمالها، حيث استبدل نظام السطر بنظام الشطرين المتناظرين، ووزع التفعيلة في أسطره الشعرية بحسب دفقته الشعورية وتجربته الشاعرية، فهي حينا واحدة(السطر الرابع) وحينا آخر تفعيلتان أو ثلاث تفعيلات... كما وزع البياض على السواد بطريقة تنسجم مع والجو النفسي للشاعر، كما اعتمد التدوير حيث تبدأ التفعيلة في السطر الخامس وتنتهي في السطر السادس، ونوع في القافية والروي، فالأولى مطلقة رويها متحرك في الأسطر (15-20..)، ومقيدة رويها ساكن في أسطر أخرى(4-8..) مردفة (8-3-4-17) وغير مردفة (20-22..)، كما نوع في الروي، فالروي حينا قاف، وهو حرف شديد جهور، وحينا باء أو دال، وهي كلها شديدة، أو نون وميم، وهي حروف شفوية تدل على الأنين والحزن، إنها أصوات مرتبطة بالمعاناة والأسى والتأزم. أما الإيقاع الداخلي فتميز بتكرار حروف بعينها أهمها أرواء القصيدة، فالقاف تكرر 13 مرة والدال تكرر 12 مرة والباء تكرر 13 مرة، وهي كلها حروف شديدة جهورة تعكس شدة المعاناة والجهر بها، كما تكررت عدة حروف مهموسة كالهاء والسين تعكس الجو النفسي المتأزم للشاعر، وتكررت أيضا حروف ممدودة باطراد لتفيد التأوه والحسرة، ولم يقتصر التكرار عند الحروف، بل تعداه إلى الكلمات (الباب 3 مرات، والصمت مرتان) وتكررت عبارة (الصمت عميق)، وتكررت كلمات عن طريق الجناس (نهلا/ نهل، ليلا / الليل)، ثم أسطر شعرية بعينها قدمت القصيدة في صورة أغنية أسيفة. أما التوازي فيتضح في التوازي الصرفي في بعض من أوزان بعض الصرفيات( عميق/ صديق، زادي/ صادي، عميق/ طريق,,)، والتوازي التركيبي التام في قوله: (الغرفة موصدة الباب، رب طريق، لم يبق صديق)،  ثم التوازي الدلالي (62-27) الذي يضم كل الكلمات التي تجمعها نواة معنوية ناظمة للنص تفيد المعاناة والاغتراب. إن المزاوجة بين التكرار والتوازي وغيرهما على مستوى البنية الإيقاعية خلق للنص موسيقى تنسجم والمعاناة التي يعيشها السياب وتؤثر بذلك، لا محالة، في المتلقي.


إن هذا النص مناط التحليل نسخة من خطاب تكسير البنية وتجديد الرؤيا في الشعر العربي الحديث، حيث استجمع كل مقومات هذا الخطاب، فالبناء الهندسي مكسر للبنية الشعرية العربية التقليدية، كما عددت القصيدة من الروي والقافية، أما المضامين فمبنية على رؤيا الشاعر التشاؤمية، واعتمد السياب معجما تقوم مفرداته على الخرق المألوف في تركيبها، وقد نهلت الصورة الشعرية من خاصة الانزياح وخلق علاقات جديدة بين الكلمات بحسب السياق والرؤيا الشعرية، كما توسلت بالرمز والإيحاء، وقام الإيقاع على التفعيلة بدل البحر واعتماد السطر الشعري والجملة الشعرية وغيرها، وكلها خصائص تمتح من معين هذا الخطاب. 


 القصيدة


في الليل


الغرفة موصدة الباب


والصمت عميق


وستائر شباكي مرخاة..


رب طريق


ستنصت لي، يترصد بي خلف الشباك، وأثوابي


كمفزع بستان، سود


أعطاها الباب المرصود


نفسا، ذر بها حسا، فتكاد تفيق


من ذاك الموت، وتهمس بي، والصمت عميق:


(لم يبق صديق)


ليزورك في الليل الكابي


والغرفة موصدة الباب


ولبست أثوابي في الوهم


وسريت: ستلقاني أمي


في تلك المقبرة الثكلى،


ستقول: (أتقتحم الليلا)


من دون رفيق؟


جوعان؟ أتأكل من زادي:


خروب المقبرة الصادي؟


والماء ستنهله نهلا


من صدر الأرض:


ألا ترمي


أثوابك؟ والبس من كفني،


لم يبل على مر الزمن؛


عزريل الحائك، إذ يبلى،


يرفوه. تعال ونم عندي:


أعددت فراشا من لحدي


لك يا أغلى من أشواقي


للشمس، لأمواه النهر


كسلى تجري،


لهتاف الديك إذا ذوى في الآفاق


في يوم الحشر.


سآخذ دربي في الوهم


وأسير فتلقاني أمي.


                                    لندن: 27/02/1963


                        ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت 1971، صفحة608.                              

...تابع القراءة

| 0 commentaires ]


التحولات في بناء القصيدة العربية المعاصرة
إعداد
الباحث /محمد عباس محمد عرابي
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
مقدمة البحث
إن التجديد في الشعر ظاهرة طبيعية تطورية في كل مكان وزمان ، وقد عرف الشعر العربي في تاريخه الطويل مظاهر تجديدية كثيرة بدءاً من بشار بن برد الذي كان آخر القدماء وأول المحدثين إلى أبي نواس الذي تمرد على نهج القصيدة ثم كانت ثورة أبي تمام الفعلية على (عمود الشعر) ، ولذلك وقف علماء اللغة يهاجمون ثورته هذه ، وعلى رأسهم ابن الأعرابي ([1]).
ثم عرف الشعر العربي ثورة في الشكل الموسيقي من خلال الموشح وبعض الفنون الزخارف المستحدثة إلى أن جاء العصر الحديث ، وبدأ الشعراء يتململون تحت وطأة الزخارف البديعية والمحسنات اللفظية والموضوعات التي لا تقول شيئا ، وقد بدأت ملامح هذه الثورة على التقليدية الجافة في أواخر القرن التاسع عشر ، وما أن أطل القرن العشرين حتى أخذ الشعراء والنقاد يدعون إلى ضرورة تجديد الشعر العربي ليلائم العصر ، وجماعة (أبوللو) والشعر الروماني والرمزي ، ثم في الشعر الحديث ، وقد تنوعت أشكال القصيدة بين الغنائية والموضوعية ، كما تنوعت أشكالها بين شكل الشطرين ، والشعر المرسل ، والنظام المقطعي ، وشعر التفعيلة ، وقصيدة النثر وسواها ، وكان لا بد من أن يتغير الشعر ورسالته لتغير نمط الحياة والتطور الخطير الذي حدث في عصرنا.
وهكذا يتضح لنا أن تجديد الشعراء المعاصرين في أشكال الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة لم يبدأ من فراغ ، وإنما كان استمراراً لجهود شعراء سابقين كانت لهم محاولات كثيرة متعددة للتجديد في العروض العربي فتصرف بعضهم في الأوزان التقليدية ، وتوسع فريق من الشعراء في الإفادة من فكرة الزحافات والعلل ، وحاول بعض الشعراء أن يتحلل تماماً من قيود الوزن والقافية ومال آخرون إلى نظم بعض قصائدهم على أكثر من وزن ، وكانت محاولات وشاحي الأندلس وجهودهم في التجديد في موسيقى الشعر علامة بارزة في تاريخ الأدب العربي. 
وقد أفاد الشعراء المعاصرون من هذه المحاولات كلها فوسعوا من نطاقها وأضافوا إليها إضافات أخرى بحكم ثقافاتهم الجديدة ، وصلاتهم بالشعر الأوربي . وهو ما يؤكده ( س . مورية) في كتابه : (حركات التجديد في موسيقي الشعر الحديث)بقوله " إن الشكل التقليدي (للإيقاع) يجر الشاعر إلى استخدام أسلوب وإيقاع وتكنيكات تضرب بجذورها في أعماق عقله الباطن ، وتملي عليه الإيقاع والمعجم والأسلوب ، وتغلبه على إبداعه وشخصيته "([2]). بينما الوسائل الجديدة التي يأخذ بها الشعر الحر تتيح للشاعر قدراً أكبر من الحرية التي تقوده في طريق الإبداع ، وهذا ما دفع الشعراء في عصرنا إلى إيجاد استعارات موزونة غير منفصلة عن أصولية الأوزان العربية الخليلية ، و قد كان هذا العمل بمثابة تفتيش عن ترميم العروض العربية التقليدية و استبدالها بعروض جديدة ، وهذا يعني أن شعراءنا عادوا إلى صميم العروض العربية ليستخرجوا منها أوزانا جديدة .
وفي هذا البحث المتواضع يحاول الباحث – قدر جهده – تناول التجديد في إيقاع القصيدة العربية المعاصرة الذي ظهر نتيجة للتأثر بالأدب الغربي من خلال هذه المقدمة ، ومدخل بعنوان تطور شكل الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة وخمسة مباحث هي:-المبحث الأول :- الشعر العمودي ، المبحث الثاني :- الشعر المرسل، المبحث الثالث :- الشعر الحر والمبحث الرابع :- شعر التفعيلة (السطر الشعري)،المبحث الخامس :- قصيدة النثر 
نتائج البحث وتوصياته :-
(1)
من خلال الرحلة مع التجديد في إيقاع القصيدة العربية المعاصرة اتضح أن القصيدة العربية المعاصرة مرت بمراحل تجديد وتطور بدأت بمدرسة الأحياء التي ظهرت في مطلع عصر النهضة وحاولت أن تعبر بزعامة محمود سامي البارودي عن واقع متغير فأفلحت في تصوير بعض جوانبه عن طريق العودة إلى المنابع الشعرية الأصلية ومحاكاتها أو معارضتها بقصد التفوق عليها ، إحياء لأنقى عناصر التراث الشعري لغة وصياغة وبذلك أعطى للشعر الحديث إمكانية التجدد والنماء.
لقد حاول شوقي التجديد في موسيقى الشعر في كثير من المقطوعات التي وردت في مسرحه ([3]) ، ويمكن القول بأنه لولا محمود سامي البارودي والشعراء التالون له من جيل شوقي لما كان لحركات التجديد الحديثة أن تنبثق وأن تنطلق ، وإذا كان شوقي وأتباعه حاولوا التحرر من نظام القصيدة العمودية ، فإن خليل مطران رأس المدرسة الرومانسية وحقق كثيراً من تخل عن الوزن والقافية ودوت من بعده صيحات التجديد في الشعر العربي الحديث ، وانطلقت من اتجاهات ثلاثة: صيحة صدرت عن شعراء الديوان والعقاد وشكري والمازني ، وصيحة من شعراء أبو للو ، وثالثة من شعراء العرب الذين نزحوا في مطلع القرن العشرين إلى المهاجر الأمريكية حيث شهدوا نشاطا ثقافيا وعلميا واسع المدى.
وتتابعت موجات التجديد تأثرا بالغرب فكانت فكرة الشعر المرسل وهجر القافية حيث يلتزم الشاعر بالوزن العروضي متحرراً من الروي الواحد في الأبيات ولكن شعراء الشعر الجديد في عصرنا الحاضر لم يكتفوا بكل هذا التجديد في أوزان الشعر وقوافيه ، بل رأت طائفة منهم أن الوقوف عند ذلك جمود لا تحتمله عصريتهم ، ومن ثم ابتدعوا نمطاً جديداً من الشعر وحدته " التفعيلة " تكرر في القصيدة دون تقيد بالمألوف من الشعر في وحدة شطرية أو وحدة الشطر المعروفة في الأراجيز والموشحات ، فتأتي الأشطر عندهم ليس لها طول ثابت ولا نظام معين ، إذ يتميز شعرهم بقافية موحدة وسموا هذا الضرب من الشعر " الشعر الحر".
وهؤلاء الذين ينظمون الشعر الحر محافظين على وحدة البحر منوعين في القافية ، متصرفين في توزيع التفعيلات ، لا يعدون أنفسهم خارجين على أصول الشعر العربي ، بل يعدون ذلك مظهر حيوية ومرونة تستجيب لجديد من النغم والإيقاع المتمثل في الوزن والقافية.
وتتوالى حركات التجديد وتظهر على الساحة " قصيدة النثر" وفيها رفض روادها من الشعراء التفعيلة كوحدة موسيقية أساسية ، واعتمدوا أشكالا إيقاعية متعددة ضمن بناء القصيدة الواحدة ، لإتاحة أكبر قدر ممكن من الحرية التعبيرية والفنية للشاعر.
(2)
ولقد حاول الباحث في هذا البحث بيان أشكال الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة من خلال مدخل أصل الباحث من خلاله بإيجاز لتطور شكل الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة ، وتوصل من خلال هذا المدخل إلى النتائج التالية:-
هناك العديد من الملامح لتطور شكل الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة تتمثل فيما يلي:-
أ‌- ظهرت في العصر الحديث عدة صور لإيقاع الشعر نتيجة التفاعل المستمر بين التيار العربي القديم ، والتيار الأوربي الحديث ، وذلك على يد المدرسة الكلاسيكية المجددة ، فالمدرسة التطورية التي قادها شعراء الديوان ، فمدارس التحرر والانطلاق في جماعة أبو للو ، وعادة الشعر المرسل ، وشعراء التفعيلة وقصيدة النثر.
ب‌- هناك عدة أسباب أدت إلى ظهور تغيير الإطار الشعري للقصيدة الحديثة:-
· تنسيق المشاعر والأحاسيس للشاعر ، وليس الرغبة في التخفف من أعباء الوزن والقافية.
· مستلزمات العصر واحتياجاته ، وطريقة التفكير في العصر الحالي.
· الثأثر بالشعر الغربي.
(3)
وتناول الباحث في بحثه خمسة مباحث هي:-المبحث الأول :- الشعر العمودي ، المبحث الثاني :- الشعر المرسل، المبحث الثالث :- الشعر الحر والمبحث الرابع :- شعر التفعيلة (السطر الشعري)،المبحث الخامس :- قصيدة النثر 
أولاً: عرض الباحث في المبحث الأول للشعر العمودي المقصود بالشعر العمودي ، والبناء الإيقاعي في هذا الشعر ، ونسبة الأوزان في الشعر العربي الحديث ، وعند الإحيائيين ، وعند شعراء أبو للو ،ولقد توصل الباحث من خلال هذا المبحث لعدة نتائج أهمها:-
1- يعتبر البيت في القصيدة وحدة موسيقية منفصلة مع الالتزام بروي واحد في نهاية كل أبيات القصيدة فالوزن هو الصفة الجوهرية للشعر.
2- استخدام البناء الإيقاعي لدى أصحاب الاتجاه الرومانتيكي هدفه الأساسي الإيحاء بالأجواء النفسية المسيطرة على مشاعرهم التي لا يمكن للغة بدلالاتها الوصول إلى أعماقها.
3- التوازن بين الأبنية الإيقاعية واللغوية والتصويرية يخلق من البناء الإيقاعي بناء متوازنا من خلال ما يطرحه من دلالات جمالية متباينة.
وتتوالى حركات التجديد وتظهر على الساحة " قصيدة النثر" وفيها رفض روادها من الشعراء التفعيلة كوحدة موسيقية أساسية ، واعتمدوا أشكالا إيقاعية متعددة ضمن بناء القصيدة الواحدة ، لإتاحة أكبر قدر من الحرية التعبيرية والفنية للشاعر.
4- حاول أصحاب الاتجاه الوجداني الخروج بالبناء الإيقاعي للقصيدة التقليدية عن النمطية وذلك من خلال : الزحافات والعلل ، وذلك باستخدام زحافات وعلل جديدة غير معروفة للوصول إلى وجدان المتلقي ، ومن خلال استخدام البناء الدرامي باستخدام القصة الشعرية بغية تطويع الشعر لأساليب فنية جديدة ، وبالتغيير في كم التفعيلات .
ثانياً : بين الباحث في المبحث الثاني " الشعر المرسل" : المقصود به – رواده – نماذج له ، ولقد توصل الباحث منه إلى النتائج التالية :- 
1- الشعر المرسل :- هو الشعر المتحرر من القافية الواحدة ، ولكنه لا يخرج على وحدة الوزن .
2- يعتبر كل من خليل مطران ، وأحمد زكي أبو شادي ، وعبد الرحمن شكري وإيليا أبي ماضي أبرز رواد الشعر المرسل.
3- يمكن القول بأن الأديب على احمد باكثير هو أول من استخدام الشعر المرسل في المسرحيات حيث ترجم مسرحية روميو وجوليت ، وألف مسرحية ( إخناتون ونفرتيتي) عام 1938م مستخدماً الشعر المرسل .
4- ثالثاً: تناول المبحث الثالث :- الشعر الحر حيث عرض للمقصود بالشعر الحر ، وبعض الشعراء الداعين إليه ذكر منهم نازك الملائكة ،ويوسف الخال ، ونزار قباني ، ، ولقد اتضحت للباحث من خلال هذا الفصل عدة نتائج أهمها :-
1- أن الشعر الحر هو الشعر الذي لا يتقيد بقافية ولا بحر . 
2- أن حركة الشعر الحر ارتبطت بالتغير الثقافي الهائل الذي سيطر على الحياة الأدبية العربية منذ بداية الثلث الثاني من القرين العشرين .
3- فصلت نازك الملائكة في كتابها قضايا الشعر المعاصر معالم دعوتها للشعر الحر ، وبينت أنه ليس انسلاخاً عن الوزن والبحور الخليلية أو خروجا عليها .
4- يرى يوسف الخال أن الشعر الحر يتيح للشاعر التجرد من رقابة الوزن بتشطيره على الشكل الذي يروق له مع الاحتفاظ بالجرس الموسيقي الأساسي للوزن . 
5- من أبرز الخصائص الإيقاعية للشعر الحر :- التحرر من نسقية الوزن والقافية ، واستخدام التضمين والتدوير ووضوح الدور الإيقاعي للنبر و التنغيم .
6- أن أبرز أجيال الشعر الحر أربعة أجيال :- 
أ‌- الجيل الأول :- نازك – السياب – البياني – نزار – عبد الصبور – حجازي – أدوينس – الفيتوري ......
ب‌- الجيل الثاني :- رشدي العامل – شوقي بغدادي – درويش – فدوى طوقان – أبو سنة ...
ح- الجيل الثالث :- جويدة – دنقل – مطر – صمادج – العروس – الميداني صالح 
د- الجيل الرابع :- شعراء مجلة " شعر " وشعراء مجلة الآداب .


رابعا :- تحدث المبحث الرابع :- عن السطر الشعري (شعر التفعيلة) وبين الأسس التي يقوم عليها شعر التفعيلة ، وأهم خصائصه ، وعرض للمراحل التي مر بها شعر التفعيلة ، وتناول شعر التفعيلة في الشعر السعودي المعاصر ، وبين ما أحدثه شعر التفعيلة على التذوق الشعري للقصيدة ، ولقد توصل الباحث من هذا الفصل إلى عدة نتائج أبرزها :- 
1- شعر التفعيلة تستخدم فيه التفعيلة باعتبارها وحدة بدلاً من السطر ، مع عدم الالتزام بعدد ثابت للتفعيلة يتكرر في كل سطر .
2- لشعر التفعيلة عدة خصائص منها :- 
أ- تغير عدد التفاعيل من سطر إلى آخر .
ب- عدم الالتزام بشكل ثابت للأعاريض و الأضرب ح- عدم التقيد بوحدة القافية.
د- التضمين والتدوير . ه - تمازج التفاعيل . 
3- يعتبر كل من العواد و حمزة شحاتة ، وحسن القرشي جيل الرواد لشعر التفعيلة السعودية المعاصر .
4- أدى شعر التفعيلة إلى تحول جوهري في فلسفة التذوق الشعري للقصيدة تمثل هذاالتحول في :-
أ- كسر النظام الموسيقي ، وجعل الاعتماد في التذوق على العين أكثر .
ب- أصبحت للغة أداة موسيقية ، وأداة زمنية وتشكيلية ، ولم تقتصر على أن تكون أداة زمنية فقط .
ج- أصبحت موسيقي القصيدة الشعرية موسيقي نفسية في الدرجة الأولى ترتبط ارتباطا وثيقا بحركة النفس و تموجاتها وبحركة الانفعال وذبذبته . 
د- أتاحت موسيقي التفعيلة للشاعر إمكانية واسعة للتحرك خلال أشكال غير محدودة من الموجات النفسية كان آخرها الاعتماد على الموجة الشعرية التي تعتمد على دورات نغمية تمتد خلال عدد من السطور وتتسع من خلال الدورة لعدد أكثر من التفاعيل . 
خامسا :- ألقى المبحث الخامس الضوء على قصيدة النثر من خلال تناول :- كيفية ظهور قصيدة النثر، وآراء الأدباء والنقاد فيها ، والمقصود بها ، وأسباب ظهورها ، ودور حسين عفيف في ظهورها في مصر ، وأسس الإيقاع الموسيقي التي تعتمد عليها ، وبنائها الفني وظاهرة التدوير فيها ن وقد توصل الباحث من هذا الفصل إلى عدة نتائج أبرزها :- 
1- يرى فاروق شوشة أن قصيدة النثر بنماذجها الرفيعة وتجلياتها الكبرى رافد من روافد الشعر العربي المعاصر ، ويرى أن من يمد أصولها إلى تراثنا فقد أخطأ مختلفا بذلك مع الكثير من الأدباء والنقاد .
2- هناك العديد من المآخذ على قصيدة النثر منها ما أخذه (حسن الهويمل) عليها :- 
أ‌- أنها تقليد لترجمة القصيدة الغربية ، وهذا عمق ابتعادها عن الفن الشعري العربي و الغربي .
ب‌- لا يتوفر في قصيدة النثر سمات وشروط الظاهرة ، لذا فهي تفقد مشروعية الوجود بوصفها شعراً وتملكه بوصفها نثراً.
3- يُقصد بقصيدة النثر أنها :- قصيدة تتميز بواحدة أو أكثر من خصائص الشعر الغنائي ، غير أنها تعرض في المطبوعات على هيئة النثر وهي تختلف عن الشعر النثري بقصرها ، وبما فيها من تركيز ، وتختلف عن الشعر الحر بأنها لا تهتم بنظام المتواليات البيتية ، وعن فقرة النثر بأنها ذات إيقاع ومؤثرات صوتية أوضح مما يظهر في النثر مصادفة واتفاقا من غير غرض ، وهي أغني بالصور وأكثر عناية بجمالية العبارة ، وقد تكون القصيدة من حيث الطول مساوية للقصيدة الغنائية لكنها على الأرجح لا تتجاوز ذلك 
4- تعددت أسباب ظهور قصيدة النثر ومن هذه الأسباب:- 
أ‌- ترجمة الشعر الغربي ، دون وزن أو قافية مع احتفاظه بكافة خصائص الشعر .
ب‌-تمرد الشعراء على الوزن والقافية ، والرغبة في التحرر منها . 
ج- ظهور النظريات اللغوية والنفسية وتداخل جماليات المعارف الإنسانية وتطور النثر الفني ذات كلية الوحدة العضوية كالقصة والمقال . 
5- يعتبر حسين عفيف (1902- 1979) رائد قصيدة النثر في مصر تابعه في إبراز وجودها شعراء مجلة (شعر) اللبنانية :- أدوينس – الماغوط – الخال – أبو شقرا – أنسي الحاج .
6- تعتمد قصيدة النثر على صورة موسيقية نفسية ترتبط ارتباطا وثيقا بالتجربة الشعرية ، فهي بذلك ألغت كل ما يمكن من الشكلية الموسيقية الخارجية .
7- تتحرر قصيدة النثر عن سلطة النظام الموسيقي التقليدي للقصيدة (الوزن والقافية) وتكتفي بموسيقية السطر الشعري أو الجملة الشعرية .
8- تعتمد قصيدة النثر على تفاعلات الموسيقي الداخلية وفنياتها كالتكرار والإزاحة الدلالية وحروف المد وتزاوج الحروف والكلمات بجرسها وعلائقها النغمية والبصرية . 
9- الإيقاع في قصيدة النثر محصول للعلاقات الداخلية للقصيدة ، أي هناك ارتباط وثيق بالدلالة المرتبطة أساساً بالصياغة اللغوية .
10- يرى صلاح فضل أن التدوير في قصيدة النثر يكاد يسمح للوزن في تكرار التفعيلة في السبيكة التعبيرية .
(4)
* توصيات البحث :- في ضوء نتائج البحث ، وقراءات الباحث حول موضوع البحث ، فإن الباحث يوصي بما يلي :- 
1- الاهتمام بفن إنشاد الشعر في المدارس والجامعات ، والعمل على تنمية ملكة تذوق الشعر لدى طلابنا .
2- التدرج في تدريس موسيقي الشعر لطلابنا بدءً من المرحلة الثانوية فالجامعية ، فمرحلة الدراسات العليا ، كل مرحلة بما يناسبها . 
3- عمل أبحاث ودراسات وندوات ومحاضرات ومؤتمرات أدبية حول الموضوعات التالية :-
أ- أثر الشعر الانجليزي في الشعر العربي 
ب-أثر الشعر الفرنسي في الشعر لعربي 
ج - دور المدارس الشعرية في تطور أشكال الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة .
د- الموسيقي التعبيرية في القصيدة العربية الحديثة .
ه- أشكال الإيقاع عند شعراء مدرسة الديوان .
و - دور نازك الملائكة في تطور الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة .
ز- الإيقاع في الشعر الحر .
ح- الشعر الحر (رواده – أسباب ظهوره- سماته الفنية).
ط- ملامح التجديد في شعر شوقي .
ي- صور من أزمة الشعر المعاصر .
ك- القافية والإيقاع في الشعر المعاصر .
ل- قصيدة النثر (مالها وما عليها).
وبعد فهذا – والحمد لله- ما وفقني الله إليه ، فإن كان خيراً فمن الله (تبارك وتعالي) وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم). يوسف آية 53
قال العماد الأصفهاني " ما كتبت أو ما كتب أحد في يوم كتابا إلا قال في غده : لوزيد كذا لكان أحسن ، ولو أضيف كذا لكان يستحسن ، ولو قُدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل ، ولو أضيف كذا لكان أصوب ، ولو نقص كذا لكان يستصوب ، وهذا من أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول حسبي أنني أخلصت النية ، وبذلك الجهد ، وأدعو الله أن يلهمنا التوفيق والسداد والقبول ، وما توفيقي إلا بالله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
ولا أدعي أنني ببحثي هذا قد بلغت درجة الكمال ، فالكمال لله وحده ، وللمرء جهد المقل ، وإن بقي له شرف المحاولة ، وإن أصاب كفاه أجر المجتهد ، 
وحسبي أنني أخلصت النية وبذلت الجهد 


والله الموفق والمستعان
الباحث / محمد عباس محمد عرابي . 




1- أبو بكر الصولي ، أخبار أبي تمام ، تحقيق خليل محمود عساكر وزميليه بيروت ، (د . ت) ، ص ( 244) 




2- س. موريه ، حركات التجديد في موسيقي الشعر الحديث ، الطبعة الأولي ، القاهرة ، عالم الكتب ، ترجمة سعد مصلوح ، 1969 ، ص78 




371- انظر تفصيل ذلك في كتاب الدكتور طه وادي (شعر شوقي الغنائي والمسرحي ) ، القاهرة ، دار المعارف ، 1981م ، الفصل السادس مسرح شوقي والتجديد في الشعر المعاصر ، ص 123- 144

...تابع القراءة

| 0 commentaires ]


الف التأسيس . حروف القافية . الشعر العربي . الشعر العربي الفصيح . الشعراء العرب
















التَّأْسِيْس: والتَّأْسِيْس لا يكون إلا بالألف قبل حرف الرَّوِِيّ بحرف واحد، فالتَّأْسِيْس إذًا حرفُ ألفٍ بينها وبين حرف الرَّوِِيّ حرف واحد صحيح. وهذا الحرف الصحيح الذي يفصل بين ألف التَّأْسِيْس وحرف الرَّوِِيّ يسمى (الدَّخِيْل)، وهما متلازمان فسميت الألف تأسيسا؛ لأنه يُحَافَظُ عليها في قافية القصيدة كأنها أسٌّ للقافية، وقيل: لأنها تقدمت على جميع حروف القافية. ويجوز أن تكون ألف التَّأْسِيْس والدَّخِيْل في كلمة واحدة أو كلمتين. 
مثال ألف التَّأْسِيْس :
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتيْ العزائمُ * وتأتيْ على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وتعظمُ في عين الصغيرِ صغارُها *وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
...تابع القراءة

| 0 commentaires ]


القافية وأثرها في الشعر العربي . د ثائر الع












د.ثائر العذاري
--------------------------------------------------------------------------------






إن الهوس التجريبي الذي يسود المشهد الشعري العربي اليوم، يضع في أعناق الدارسين مسؤولية مراجعة نظرية الشعر العربية ومحاولة فهمها فهما يتناسب مع ما لدينا من إمكانات العصر وروحه، مع النظر إلى خصوصية اللغة العربية شأنها في ذلك شأن أية لغة أخرى. ومن هذا المنطلق نكتب هذه السلسلة من المقالات، آملين أن تكون ذات نفع على المستوى النظري. 


ليست دراسة القافية مهمة يسيرة كما قد تبدو للوهلة الأولى؛ ذلك لأن الدارس سيجد نفسه في مآزق نظرية متعددة، يتصدرها انعدام وجود تعريف جامع مانع لها. 


إن دارس القافية يشبه دارس البكتريا قبل اختراع المجهر، فكلاهما يدرس ظاهرة يعرف كل الآثار والظواهر الناتجة عن وجودها والمحيطة بها، إلا انه لا يعرف كنهها ـ ولئن كانت إثارة السؤال هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة، فلنبدأ هذا المبحث بالسؤال: كيف تعمل القافية وكيف تحدد؟، وإجابة السؤال تبدو معقدة بعيدة المنال بقدر ما يبدو السؤال ساذجا بسيطا.


إن ابسط صورة واقعية ممكنة للطريقة التي تتم بها استجابة المتلقي لبيت من الشعر هي أن نتصور البيت مكونا من ثلاثة مستويات متوازية: الصوت والوزن والدلالة.


ولعل الشكل الآتي يوضح هذا التصور:




على الرغم من أن مستوى الصوت هو المستوى الوحيد الذي يتمتع بوجود حقيقي في امثل حالات التلقي (وهي الحالة التي نستمع فيها إلى القصيدة من الشاعر مباشرة) فإن للمستويين الآخرين المفترضين من الدلائل ما يجعل وجودهما أمرا مفروغا منه. فمستويا الوزن والدلالة لا يوجدان في الصوت نفسه، أي أنهما ليسا من مكوناته، بل هما يتولدان في نفس المتلقي. فلو استمع شخص ما إلى بيت من الشعر بلغة أجنبية يجهلها، فإن ما سيصل إليه من ذلك البيت، في الغالب، لن يكون سوى المستوى الصوتي. ولأن الدلالة والوزن ليس لهما وجود حقيقي في جسد البيت الشعري المتمثل بالصوت، فإن من غير الممكن إقامة تصور عملي يعزل هذه المستويات عن بعضها، بل أن ما نفعله ليس إلا افتراضا نظريا يهدف إلى الوصول إلى فهم أفضل لعملية التلقي التي تزداد تعقدا عندما تتم بوساطة القراءة لا السمع؛ ذلك لأن إدراك المستوى الصوتي سيتم هو الآخر بعد عدد من التحولات الذهنية المعقدة (1) وعلى الرغم من أن المستويات الثلاثة التي حددناها متوازية مع بعضها، كما هي ممثلة في الرسم التوضيحي (على أساس أن كلا منها يمتد على طول البيت من بدايته إلى نهايته)، فإن سرعة وطريقة الاستجابة لكل منها ليست متزامنة. وقد حاولنا أن نبين هذا في المخطط، فرأس السهم يشير دائما إلى اتجاه الاستجابة، أما موقعه على الخط فيشير إلى تقدير تقريبي للحظة التي سيتم عندها إدراك المستوى المعين.


ويدرك المتلقي المستوى الصوتي بطريقة موازية لنطق المرسل بالأصوات المكونة للبيت الشعري، فأي صوت ينطق به الثاني يدركه الأول حالا. ولا يستطيع المتلقي أن يتقدم على المرسل فيستمع إلى أصوات لم ينطق بها بعد، ولا بد هنا من التفريق بين صوت الكلمة ودلالتها، لأن إدراك بقية الكلمة بعد الاستماع إلى جزء منها ليس إدراكا لصوتها، بل إدراك لدلالتها. ولهذا جعلنا رأس السهم في مكانه المعتاد في نهاية الخط.


أما مستوى الوزن فإن إدراك المتلقي له سيتقدم على المرسل فور معرفة الأول بالتشكل الوزني للبيت؛ ذلك لأن هناك صورة ذهنية كلية مفترضة للتشكل متفق عليها. ولذا وضع رأس السهم وسط الخط. 


أما المستوى الدلالي فيتم إدراكه على وفق قانون التراكم الكمي المعروف، فكل كلمة في البيت ستعطي دلالة توضع فوق سابقتها في الذهن، إلا أن دلالة البيت الكلية لن تدرك إلا بعد تمامه وتوقف المرسل عن الكلام، وهذا الإدراك لا يتم بشكل متسلسل متصاعد، بل يتم بشكل مفاجئ حين يصل التراكم الكمي للدلالات الحد الذي يمكنه من إيجاد كيان نوعي جديد. ولهذا وضعنا رأس السهم الخاص بالمستوى الدلالي متأخرا عن خطه إشارة إلى أن التلقي لا يتم هنا بشكل مضطرد التصاعد.


ولنعد الآن إلى النقطة التي انطلقنا منها: كيف تعمل القافية؟.


مما لا خلاف فيه أن القافية تقع في آخر البيت الشعري أو إنها خاتمته، ولعل هذه الحقيقة ادني ما يمكن الاتفاق عليه. ويعني هذا أن القافية ستكون في ختام كل من المستويات الثلاثة التي حددت لعمل البيت. ولكن على أي المستويات تفعل فعلها؟ وكيف؟.


يقصر اغلب دارسي القافية اهتمامهم على المستوى الصوتي سواء كانوا من أنصار القافية أو ممن ينبذونها. فهم يرون أنها تقوم بكل وظائفها على هذا المستوى، فصموئيل دانيال يرى أن الشعر لن يرقى "إلى مراتب الجودة والكمال، ولن يرضي أو يغذي فينا ذلك الإحساس بالبهجة ما لم يلتئم ويترابط بتلك النقرة الصوتية المتكررة التي تبدو وكأنها زمام لولاه لظل الشعر مسيبا لا يستطيع أن يتماسك، بل لظل مندفعا بلا نظام كوهم رتيب لا نهاية له"(2) فالقافية، عند دانيال، ليست إلا ذلك الصوت الذي يجعل نهاية البيت حتمية.


ولا يبعد د. عز الدين إسماعيل عن هذا الاعتقاد حين يعرف القافية بأنها "نهاية موسيقية للسطر الشعري هي انسب نهاية لهذا السطر من الناحية الإيقاعية"(3) وحصر التعريف بين كلمتي (موسيقي ـ إيقاعية) يدل على اعتقاد صاحبه بضم القافية تحت المستوى الصوتي دون غيره.


ويدعو جبرا إبراهيم جبرا إلى نبذ القافية من الشعر الحديث منطلقا من المنطلق نفسه، فشاعر اليوم يعتمد، في رأيه، "الابتعاد عن الرنين والضخامة، لأنه يرى فيهما وقفة جوفاء مضحكة"(4)وليست هذه الوقفة الجوفاء المضحكة إلا العناصر الصوتية للقافية بدليل "الرنين والضخامة"، بينما دفع هذا الرنين نازك الملائكة إلى أن تعتقد "أن القافية ركن مهم في موسيقية الشعر لأنها تحدث رنينا وتثير في النفس أنغاما أو أصداء، وهي، فوق ذلك فاصلة قوية واضحة بين الشطر والشطر"(5)ونجد من الشعراء أنفسهم من يرى في القافية هذا الرأي، وتندرج أبيات الشاعر الانجليزي بوب الآتية تحت هذا الباب:


Wher 'er You find the cooling English breez 


In the next Iine whispers through the trees


If crystal streams with pleasing murmurs creep


The reader's threatened (not in vain) with sleep (6 


وهذا الهجاء الساخر للقافية ، الذي أراد بوب أن تكون كلمة (sleep) بمثابة الضربة القاضية فيه، لم يُبيّن إلا على أساس أن القافية جزء من المستوى الصوتي بدليل استخدام بوب كلمة (murmurs) التي مهد لها قبل ذلك بكلمة (whisper) . وللقارئ أن ينظر إلى المفارقة التي تكمن في البناء الصوتي المحكم لأبيات بوب هذه.


ولم يخرج اليوت عن هذا المبدأ في تقديره أهمية القافية، إذ يرى أن غيابها يؤدي إلى أن يفلت الكثير من الموسيقى الرقيقة من الألفاظ، تلك الموسيقى التي لم تسمع سقسقتها حتى اليوم في فُسحة النثر(7)ويبدو من النادر أن نجد موقفا شبيها بموقف بيرتون الذي يرى أن الاستخدام الأمثل للقافية يتوقف على غرض الشاعر، فلا بد لها من أن تكون منسجمة مع النظم ككل، وعليها أن تغني وتقوي الثيمة والخيال(8) على أن يكون لدينا تفريق دقيق بين القافية بوصفها جزءا من البيت الشعري وبين وظائفها التي تنتج عن ذلك.




--------------------------------------------------------------------------------


(1) ناقش ريتشاردز هذه التحولات المعقدة باسهاب: ينظر مبادئ النقد الادبي: ص ص 166ـ 187. 


(2) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابت درو، ترجمة د. محمد ابراهيم الشوش، ص 45. 


(3) الشعر العربي المعاصر : ص67. 


(4) الرحلة الثامنة: ص 14. 


(5) قضايا الشعر المعاصر: ص 192.


6.How to Read a Poem, Roy THOMAS: University of London Press, London, 1967, P. 40.
7.To Criticize the Critic: P. 187. 


8.The criticism of Poetry: P. 52




--------------------------------------------------------------------------------




لو تأملنا هذا المخطط (في المقالة السابقة) الذي يبين مستويات عمل البيت الشعري مرة أخرى للاحظنا أن الخط الرأسي الفاصل بين حشو البيت وقافيته يضع حدودا مكانية بين هذين الجزأين، بينما لا يشير إلى ما سيحدث في البعد الزماني؛ فالقافية آخر البيت وجزء من كل من مستوياته، لن يحس بها المتلقي الا على مراحل متتابعة.


فبعد أن ينشد المرسل البيت الأول من القصيدة، يكون المستمع عارفا بالضرب الذي يختتم به التشكل الوزني، وبهذا فإن جزء من القافية في مستوى الوزن سيكون معروفا مسبقا، ومثله جزؤها في المستوى الصوتي ما دامت كل أبيات القصيدة ستنتهي بالمجموعة الصوتية نفسها. أما الجزء الواقع في مستوى الدلالة فهو الوحيد الذي سيؤجل حتى تمام إنشاد البيت.


لنفرض أن أحدا يستمع إلى إنشاد قصيدة المتنبي التي مطلعها:


وا حرَّ قلباه ممن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده سقم


فهو يستمع إلى أي بيت آخر بعد المطلع، وليكن:


ما لي اكتم حبا قد برى جسدي وتدعي.................


فإنه سيهيئ نفسه عند هذا الحد لاستقبال القافية التي يعرف أنها ستكون على وزن (+ + + ـ، فعلن) وإنها منتهية بالحرفين (مو) و إنها تشبه (دَدَمُو) ، ويبقى في حالة ترقب لمعرفة الدلالة التي ستتمها الأحرف الباقية.


وقد كان النقاد القدامى يشترطون في القافية أن تكون لازمة، أو أن يشهد بها أول البيت، وحددوا لهذا الغرض أساليب عدة اصطلحوا عليها مصطلحات كثيرة منها التوشيح ورد الأعجاز على الصدور والموازنة والمساواة وغيرها(1) فما سبب تلك النشوة التي تفجأ المتلقي حين يحزر قافية البيت قبل أن يتفوه بها المنشد؟ كما في هذين البيتين:


ليالي بعد الظاعنين شكول طوال وليل العاشقين طويل


يُبِنَّ لي البدر الذي لا أريده ويخفين بدرا ما إليه سبيل


وبإمكان المنشد أن يزيد من (تطريب) أو تفاعل المتلقي معه لو أنه توقف قليلا قبل أن ينطق بكلمة القافية، عندها سيسارع المتلقي إلى أن يملأ الفراغ الذي أحدثه صمته بتلك الكلمة التي حزرها.


ويمكن أن يبين المخطط الآتي ما حدث في أبيات مثل هذه:
...تابع القراءة

| 0 commentaires ]

من جماليات القافية في النقد الأدبي القديم .. تشاكل صوت الروي ومعاني القصيدة / عبد الجليل شوقي


د. عبد الجليل شوقي   
عرف الشعر العربي منذ نشأته مكوني الوزن والقافية: وذلك أن الشاعر العربي القديم لم ينظم قصائده إلا موزونة ومقفاة، إحساسا منه بجمالية القافية ومدى تأثيرها في نفس متلقيها،
بل وقد وجدت القافية من يحتفل بها في شعره من خلال التزام ما لا يلزم في شعر العرب بزيادة حرف أو حرفين قبل الروي، لكن هذه المحاولة لم يكتب لها أن تترسخ وتتطور في أتون التجربة الشعرية العربية، لصعوبة التوفيق بين جماليات القافية: المعجم والصوت والمعنى والوزن؛ فحضورها في القصيدة العربية ليس مجرد إيقاع موسيقي في شكل ضربات نبرية تتكرر في أواخر الأبيات الشعرية في لحظات موسيقية متتابعة، أو نقرات رتيبة في الزمن، بل هي مكون أساسي في الشعر العربي القديم، تدخل في علاقات نسقية مع مكونات الشعر الأخرى:الوزن والمعنى والفظ، وتحتل مكانة رفيعة في هذه المكونات، فهي" شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى شعرا حتى يكون له وزن وقافية"، وتعتبر "القوافي حوافر الشعر أي عليها جريانه واطراده، وهي مواقفه. فإن صحت، استقامت جريته وحسنت مواقفه ونهاياته"، وتتجلى قوة الصنعة في شعر شاعر من خلال اختياره للقافية الوثيقة، "لأن الصنعة إنما هي في القافية لا في حشو البيت" .
والقافية في اللغة كما جاءت في لسان العرب لابن منظور(تـ711 هـ) من "قفوته: ضربت قفاه، وقفيته؛ رميته بالزنا، ويقال لا أفعله قفا الدهر أي أبدا، وهو قفا الاكمه أي بظهرها. وقفاه قفوه وقفوا واقتفاه وتقفاه؛ تبعه، قال تعالى:" ولا تقف ما ليس لك به علم"، قال الأخفش:" أي لا تتبع ما لا تعلم. والقافية من الشعر الذي يقفو البيت، وسميت قافية لأنها تقفو البيت وفي الصحاح لأن بعضها يتبع بعض"، ومن تم يبدو أن المعنى اللغوي للقافية يفيد التبعية والتعقب؛ تبعية القافية لما سبقها من حشو البيت وتبعية كل قافية لما سبقها من القوافي. وتعقب شيء سابق لها يكون مرتبط بها.
عرف التعريف الاصطلاحي للقافية جدلا ومماحكة بين علماء العروض والقافية القدماء والمحدثين، فقد عرفها الخليل بن أحمد الفراهيدي (تـ 175 هـ) بأنها: "من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه مع إدخال المتحرك الذي قبل المتحرك"، كما جعلها الأخفش آخر كلمة في البيت، وجعلها الفراء في كتابه " حروف المعجم": الروي، فضلا على أن هناك من العلماء من جعل القافية هي البيت أو القصيدة كلها . ولعل هذا الاختلاف الشديد بين القدماء حول التعريف الاصطلاحي للقافية يمكن تفسيره بأن الشعر يدور حول القافية، مرتبط بها بغض النظر عن كميتها، فقد تكون هي الروي، أو أكثر وهذا الارتباط لا يكون فقط على مستوى البيت الشعري فقط، بل على مستوى القصيدة كلها، ارتباطا معنويا وصواتيا. كما يمكن الاستنتاج من هذه الآراء أن القافية هي لفظ ومعنى وصوت؛ لفظ عند من اعتبرها كلمة، ومعنى عند من اعتبرها البيت الشعري أو القصيدة، وصوتا عند الخليل الذي حددها بالحركات والسكنات وعند الفراء الذي قصرها على الروي.
يبدو هذا الربط بين الجوانب: الصوتية والمعنوية واللفظية للقافية واضحا في تعريف بعض الدارسين المحدثين أمثال إبراهيم أنيس الذي اعتبر أن القافية ما هي إلا "عدة أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات من القصيدة، وتكررها هذا يكون جزءا هاما من الموسيقى الشعرية. فهي بمثابة الفواصل الموسيقية يتوقع السامع ترددها، ويستمتع بمثل هذا التردد الذي يطرق الآذان في فترات زمنية منتظمة، وبعدد معين من مقاطع ذات نظام خاص يسمى الوزن"، ففائدة القافية عنده تتمثل في إيقاعها الموسيقي المتكرر و"على قدر الأصوات المكررة تنمو موسيقى الشعر وتكمل" إلا أنه تنبه إلى أن الشعر ليس أبدا موسيقى جوفاء خالية من المعاني والصور، فأردف قائلا:"يجب ألا نجعل كثرة الأصوات المكررة هدفنا الوحيد في نظم الشعر مضحين من أجله بالأخيلة والمعاني" .
ملاك الأمر أن القافية في تعريفها اللغوي والاصطلاحي لم تكن بعيدة ولا منفصلة عن معاني القصيدة الشعرية، بل هناك تشاكل وتواشج وتفاعل نسقي ضمن بنية الشعر كما حددها ابن رشيق:"اللفظ والوزن والمعنى والقافية" .

ويبدو هذا التشاكل بين القافية ومعاني القصيدة أكثر وضوحا من خلال الدراسات النقدية والبلاغية القديمة، فقد سمى قدامة بن جعفر(تـ337هـ) هذا التشاكل بين المعنى والقافية ائتلافا: حيث وجد أن حد الشعر يحيط بأربعة مفردات وهي: اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، وبحسب منطقه الرياضي فإن التأليفات الناتجة عنها مثنى مثنى هي ست تأليفات، إلا أنه لما قلب الأمر وجد أن القافية لا تأتلف إلا مع المعنى، فقال:" ولم أجد للقافية مع واحد من سائر الأسباب الأخر ائتلافا، إلا أني نظرت فيها فوجدتها، من جهة ما، أنها تدل على معنى لذلك المعنى الذي تدل عليه ائتلافا مع معنى سائر البيت، فأما مع غيره فلا، لأن القافية إنما هي لفظة مثل لفظ سائر البيت من الشعر، ولها دلالة على معنى... فصار ما حدث من أقسام ائتلاف بعض هذه الأسباب إلى بعض: أربعة، وهي: ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وائتلاف المعنى مع القافية"، فالقافية-في رأيه- لا تتشاكل إلا مع المعنى وحده دون باقي مكونات بنية الشعر، وإن كنا نجد في مكان آخر من كتابه هذا:"نقد الشعر"، ما يدل على أن القافية تتشاكل مع ألفاظ سائر البيت الشعري من حيث أن الألفاظ هي حروف، فقد اشترط في القوافي أن تكون" عذبة الحرف سلسة المخرج، وأن يقصد لتمييز مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها" معتبرا أن بنية الشعر إنما هو:" التسجيع والتقفية، فكلما كان الشعر أكثر اشتمالا عليه كان أدخل في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر" .فهناك تشاكل بين نهاية المصراع الأول في البيت الأول والقافية وهو المعروف بالتصريع، وهناك تشاكل كذلك بين تكرار حرف القافية (الروي) داخل حشو البيت في شكل ما يعرف بالتسجيع.
ويعبر كذلك قدامة عن هذا التشاكل بين القافية ومعنى البيت الشعري بلفظي: "التعلق" و"الملاءمة"، إذ يقول:" أن تكون القافية معلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له وملائمة لما مر فيه"، وذلك من خلال أسلوبين بديعيين، فلفظ التعلق ربطه بأسلوب التوشيح حيث قال:" وهو أن يكون أول البيت شاهدا بقافيته، ومعناه متعلقا بها، حتى أن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها، إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته" ؛ فجعل معنى البيت متعلقا بالقافية، وهذا التعلق يبدو أنه على وجهين: تعلق معنى معجم القافية باعتبارها لفظة بمعنى البيت كله، وتعلق معنى البيت بمعنى القافية باعتبارها صوتا موسيقيا، فلا ينبغي أن يكون معنى البيت معنى القوة، ويذيله الشاعر بقافية صوتها رخو أو مهموس، إذ القوة تستدعي الشدة والجهر. وربط لفظ الملاءمة بأسلوب الإيغال حيث قال:" وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم تأتي بها لحاجة الشعر، في أن يكون شعرا، إليها، فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره في البيت"، فالناقد هنا مع اعترافه بضرورة القافية في الشعر العربي من الناحية الشكلية، أوجب أن يكون لها معنى، وهذا المعنى يجب أن يلائم معنى البيت ويزيد من جودته، ويبدو من خلال نظرة قدامة بن جعفر لتشاكل القافية مع المعنى أنه قد قصرها على البيت الشعري الواحد، ذلك أن القافية تتشاكل –أوتأتلف حسب قوله- مع معنى البيت الواحد، دون أن يصرح بتشاكل القافية مع معنى القصيدة كلها، إلا أنه بمنطق رياضي يمكن استنتاج، أن القافية لديه تتشاكل مع معاني القصيدة كلها، وذلك لأن القافية واحدة في كل القصيدة، وتشاكل هذه القصيدة مع معنى كل بيت من أبياتها، يجعل من هذه المعاني جداول متقاربة تصب في معنى عام يتشاكل مع هذه القافية.
يصرح كل من بشر بن المعتمر وابن طباطبا العلوي (تـ322هـ) بتشاكل معنى القصيدة مع القافية من خلال نصين متقاربين في المعنى: الأول لبشر بن المعتمر نقلا عن أبي هلال العسكري(تـ395هـ) يقول فيه:"إذا أردت أن تعمل شعرا فاحضر المعنى التي تريد نظمها فكرك، واحضرها على قلبك، واطلب لها وزنا، يأتي فيه إيرادها قافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية، ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه في تلك..." والثاني لابن طباطبا العلوي يقول فيه:"فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، واعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه... وإن اتفقت له قافية قد شغلتها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت أو نقص بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله" ؛ اعتبر الرجلان أن معيار التشاكل بين معنى القصيدة والقافية هو الموافقة، فيبدأ الشاعر بتصور المعنى نثرا في الذهن ثم يختيار القافية الموافقة، وتبدو أهمية هذه الموافقة من خلال تفضيله نقل القافية إلى المعنى الأكثر موافقة معها حتى ولو كان المعنى الثاني مضاد للمعنى الأول، فالمهم لديهما هو متانة التشاكل/الموافقة بين هذه القافية وهذا المعنى، وهما هنا يدعوان إلى البحث عن معنى متحرك.
دعا ابن طباطبا العلوي في مكان آخر من عياره الشاعر ليجعل المعنى ثابتا وإدارة الحروف الهجائية العربية الثمانية والعشرين على القافية والبحث عن أكثرها تشاكلا لهذا المعنى الثابت؛ يقول:"فأدرها على جميع الحروف واختر من بينها أعذبها وأشكلها للمعنى الذي تروم بناء...الشعر عليه" .فمن خلال ما سبق يبدو أن الرجلين يجعلان من تشاكل القافية مع معنى أو معاني القصيدة وجها من وجوه جماليتها، من خلال:
•    أن يكون المعنى ثابتا، ثم يبحث الشاعر عن القافية المشاكلة.
•    أن يختار الشاعر قافية معينة، ثم يثبت المعنى المشاكل لها.
تلك نظرة عجلى إلى تناول النقد العربي القديم لقضية تشاكل القافية ومعاني القصيدة، وهي نتاج لاستقرائه للنصوص الشعرية العربية القديمة. وفيما يلي سنقف عند نصوص شعرية لشاعر من أنبغ شعراء الغرب الإسلامي في بداية القرن السابع الهجري؛ العالم والأديب والمؤرخ والسياسي: أبو عبد الله بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار (595هـ-658هـ) من خلال ديوانه المعروف، والذي يضم ديوان ابن الأبار246 قصيدة.

د.عبد الجليل شوقي
كلية اللغة العربية بمراكش
المملكة المغربية

................................
هوامش
 1 - يتعلق الامر بديوان أبي العلاء المعري.
2 - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، ج1، ص:151.
3 - منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3،بيروت،1986م، ص: 271.
4 - الروض المريع في صناعة البديع، ابن البناء المراكشي، تحقيق محمد بن شقرون، دار النشر المغربية، البيضاء، 1985، ص:160.
5 - لسان العرب، أبو الفضل جمال بن منظور، دار صادر، بيروت، 1956م/1376م، مادة "قفا"، المجلد 15، ص: 192-198.
6 - كتاب القوافي، أبو القاسم الرقى، قدم له وحققه ودرس قضاياه وعلق عليه أحمد محمد الدايم عبد الله، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1410هـ/1990م، ص:63.
7 - القافية دراسة في الدلالة، محمد الطويل، دار الثقافة العربية، ط1، القاهرة، 1411هـ/1991م، ص:54.
8 - العمدة، ابن رشيق القيرواني، ج1/ص: 153.
9 - العمدة،ج1/ص: 154.
 - موسيقى الشعر، ابراهيم أنيس، مكتبة الأنكلو المصرية، ط5، 1978م، ص:246.
10 - موسيقى الشعر، ابراهيم أنيس، ص:246.
11 - موسيقى الشعر، ابراهيم أنيس، ص:246.
12 - العمدة، ابن رشيق القيرواني، ج1، ص:119.
13 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق كمال مصطفى، الطبعة3، يونيو 1978م، ص:25-26.
14 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، ص:51.
15 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، ص:58.
16 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، ص167.
17 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، ص:168.
18 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، ص:169.
19 - كتاب الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق علي بجاوي ومحمد أبو الفضل ابراهيم، الحلبي، ط1952، ص:45.
20 - عيار الشعر، محمد بن طباطبا العلوي، دراسة وتحقيق محمد زعلول سلام، منشأة المعارف، الاسكندرية، 1980م، ص:19.
 21 - عيار الشعر، ابن طباطبا، ص:151.
 22 - هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي، المعروف بابن الأبار، ولد عام 595هـ، من مدينة بلنسية بالأندلس المعروفة بكثرة أشجارها وطيب ريحها، توفي عام 658هـ؛عالم وأديب وفقيه ومؤرخ وسياسي محنك، كان كاتبا لأبي عبد الله بن أبي حفص الموحدي (تـ620هت) وهو حديث السن، ثم لابنه آبي زيد عبد الرحمان، وكاتبا لأبي جميل زيان بن مردنيش حاكم بلنسية، أخذ العلم بتوجيه من أبيه، عن عدد كبير من الشيوخ أبرزهم شيخه أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي(تـ634هـ)، ترك ابن الأبار ما يربو عن خمسين كتابا في مختلف الفنون والآداب، ومنها ديوانه الذي لم يكن معروفا لدى الدارسين إلى أن أكتشف في الخزانة الملكية في عملية تنظيم لها.
23- ديوان ابن الأبارالقضاعي، قراءة وتعليق الأستاذ عبد السلام الهراس، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، 1420هـ/1999م.
............................
المصادر والمراجع
1.   ديوان ابن الأبارالقضاعي، قراءة وتعليق الأستاذ عبد السلام الهراس، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، 1420هـ/1999م.
2.   الروض المريع في صناعة البديع، ابن البناء المراكشي، تحقيق محمد بن شقرون، دار النشر المغربية، البيضاء، 1985م.
3.   كتاب الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق علي بجاوي ومحمد أبو الفضل ابراهيم، الحلبي، ط1952.
4.   العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء.
5.   عيار الشعر، محمد بن طباطبا العلوي، دراسة وتحقيق محمد زعلول سلام، منشأة المعارف، الاسكندرية، 1980م.
6.   القافية دراسة في الدلالة، محمد الطويل، دار الثقافة العربية، ط1، القاهرة، 1411هـ/1991م.
7.   كتاب القوافي، أبو القاسم الرقى، قدم له وحققه ودرس قضاياه وعلق عليه أحمد محمد الدايم عبد الله، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1410هـ /1990م.
8.   لسان العرب، أبو الفضل جمال بن منظور، دار صادر، بيروت، 1956م/1376م.
9.   اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، دار الثقافة، الدار البيضاء.
10. منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، بيروت، 1986م.
11. موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس، مكتبة الأنكلو المصرية، ط5، 1978م.
12. نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق كمال مصطفى، الطبعة3، يونيو 1978م.
............................
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1863 الاثنين 29/ 08 /2011)

التعليقات (3)
سعود الأسدي 


الأستاذ العلاّمة الجليل 
الدكتور عبد الجليل شوقي 
تحياتي وأمنياتي 
وباقة ورد وبعد 


بداية أشكر لك جهدك البديع والمثمر في هذه الدراسة الجادة والعميقة بشان القافية أحد مميزات الشعر العربي،وهي الأساس أو قاعدة البناء التي يقوم عليها عمود الشعر العربي ولن يقوم عمود بدون أساس أو قاعدة .ولعل سعة لغات العرب وتنوعها في مفرداتها كانت السبب الأهم في رفد هذه المسألة الجمالية التي هي مكون أساسي من مكونات جمال الشعر العربي أدّت الى زعم الجاحظ وهو العلامة الكبير إلى ان الشعر خاص بالعرب . 
ونظرأ لموسيقية الشعر العربي وكونه في أساسه مغنّى وكان الشعراء في جملتهم منشدين ومطربين كانت القافية ضرورة لا غنى عنها لأن الموسيقى في كل حضارات الأمم احتاجت الى ايقاع وقد يكون ظاهراً وقد يكون مضمرًا. 
وإن أكثر ما أدهشني في شعر العرب لزوميات المعري وأنا أزعم أنه أكبر شاعر في الشرق والغرب ومنذ آدم وما عالجه من فلسفة يجعل ديوان لزومياته معجزاً لما فيه من اطلاع على كافة مجريات الفكر الاسلامي وسواه إلى زمانه . 
سيدي الجليل! 
أكرّر لك شكري مشيداً بفيضك علمك وواسع اطّلاعك على مقوّمات صناعة الشعر العربي ، وإنك لذو فضل كبير والسلام. 


باحترام ومودة وإخلاص 
سعود الأسدي 




د.عبد الجليل شوقي 
تحية ثقافية لك أستاذي الفاضل سعود الأسدي. 
بداية؛ أشكركم سيدي على تعليقكم القيم والمدهش، وهو إن دل على شيء إنما يدل على سعة إطلاعكم، وتبحركم في مختلف الفنون والمعارف، وهو شيء ألمسه من خلال متابعتي لكتاباتكم الوفيرة في مجلة المثقف الغراء وفي غيرها. 
دمتم أستاذي الفاضل في تألق دائم. 
ولكم مني مودة لا تشيخ أبد الدهر. 
د. عبد الجليل شوقي 




حسن أبو محسن 
دراسة عميقة و اصيلة ، استمتع بها فعلا . مودتي 



...تابع القراءة